اشتغال الخطاب العالمي الجديد في ظل أزمة كورونا

بقلم: Fatima Meneem |

من يرسم خارطة الخطاب العالمي في فترة إنتشار فايروس كورونا يجدها أكثر وضوحًا من خارطة رصد إنتشار هذا الوباء حول العالم. والسبب يعود إلى أنّ الخطابات العالمية للدول بالنسبة لموضوع كورونا لا تختلف في شكلها عن تلك المرتبطة بالعلاقات الدّولية أو السّياسات الخارجيّة أو الإصطفافات بين الدول والمحاور والأقطاب في العالم. ونظرًا للتداخل بين أنواع الخطاب الذي بات جزءًا من الأجندات الدولية، أصبح صنع الخطاب يخدم على وجه الخصوص مصالح لعبة الأمم بين الشعوب. سيّما في الفترة الأخيرة التي شهدت حدثًا عالميًّا سُجّلت فيه شتى أنواع الخطابات للرؤساء والزّعماء في العالم.

أميركا مثلا برئيسها ”دونالد ترامب“ سخرت في البداية من هذا الوباء واعتبرته مرض ”غير خطير“ ومع تصاعد التطورات خرج ”ترامب“ ليعلن حالة الطوارئ في البلد. أمّا ”بوريس جونسون“ رئيس الوزراء البريطاني خاطب الموطنين بأسلوب باردٍ، مستخدمًا جملاً قاسية أبرزها ”استعدّوا لتوديع أحبّائكم“ وكانت هذه العبارة الأيقونة لخطابه، كما صنّف البعض خطابه ”بالتّصريح الأسود“.في حين أنّ الرئيس الزيمبابوي ”إيمرسون منانغاغوا“ أشار أنّ الوباء هو إنتقام الله من الدول الغربية التي فرضت عقوبات على زيمبابوي. على المقلب اللآخر اعترف الرئيس الإندونيسي ”جوكو ويدودو” بأنه تعمد حجب معلومات عن حالات الإصابة بفيروس كورونا حتى لا يلجأ الناس إلى سلوكيات مثل التهافت على شراء الضروريات. من جهة ثانية فإنّ الرئيس الروسي ”فلاديمير بوتين“، شدّد على قرار اتخاذ إجراءات مشددة لمواجهة انتشار فيروس كورونا.   

بصورة عامة فإنّ أهم الخطابات للزّعماء في العالم تركزّت على إعطاء عدّة تصنيفات لهذا الوباء سواءً اعترفت به أم أنكرته، وقد برزت مساحة جديدة لمعرفة دور الخطاب ووظائفه في المجتمعات الإنسانية إذ نتج عن كلّ فعل خطابي ردّّ فعل. مثلاً شهدت البرازيل تظاهرات استنكارًا لطريقة وأسلوب تعاطي الرئيس مع هذا الوباء.

وقد عُبّر عن الخطاب العالمي الجديد، في المواقف والكتابات التي تصدر عن المؤسسات المجتمعية، أو عن العلماء والباحثين، كما كشفت عن وجهة نظر محددة إزاء قضايا سياسية إقتصادية، إجتماعية، دينية. وقد تشابك ذلك الخطاب، سلبًا وإيجابًا مع المجتمع وقضاياه.

بالرغم من الإشكاليات التي نشأت داخل الخطاب العالمي الجديد، بفعل أزمة كورونا، ولا سيما مع تعليق كلّ التجمعات البشرية على الصعد كافّة. كشف الإتجاه العام لتوجهات الخطاب عن درجة عالية من الفاعلية في التعاطي مع الأزمة، عبر البحث عن قصور الإجراءات الحكومية ونقدها في مواجهة تفشي الفيروس، إلى جانب التفكير الجدي في ملامح الدولة سياسيًا، إقتصاديًا، إجتماعيًا، بعد الإنتهاء أزمة كورونا.

بات العالم أمام صورة خطاب إنساني عالمي جديد، في أثناء كورونا، حاملًا استراتيجيات عديدة. فاللجوء إلى لغة الحرب له تداعيات مهمّة، ولا سيّما أنّ عدداً متزايداً من الدول يطبّق سلطات حالات الطوارئ. فقد تعاطت بعض الدول مع هذا الوباء على أنّه إرهاب موجّه ضدّهم، كما سارعت من خلال خطاباتها إلى تسمية الخصم وتسييس هذا الوباء بإعتباره حربًا بيولوجيّة مفتعلة.

خلاصة القول أنّ أزمة الواقع فرضت نفسها في الخطاب وألغت إلى حدّ ما سائر الموضوعات أو دخلت فيها، فما خرج من خطاب سياسي أم ديني في فترة الأزمة المُستفحلة إلاّ وكانت كورونا لها نصيبٌ منه. والعالم صار أمام إيديولوجيتين مختلفتين في الخطاب في معالجة أزمة كورونا، الإيديولوجيا الماركسيّة التي توجّه النظام في الصين، والإيديولوجيا الليبراليّة الرأسماليّة التي توجِّه البلدان الرأسمالية. فالأولى تضع البشر في قمّة أولويّاتها، بينما الأخرى تضع الربح في تلك القمّة.من هنا فإنّ ترابط الصحّة والسياسة كان جليًّا في الخطابات العالمية، ويكفي أنّ في علم الإجتماع حقولًا تعكس بمسمّياتها ذلك الترابط.

وعليه، فليس من باب التعسّف أن نرى العلاقة بين الكورونا كوباء عالميّ، وبين السياسة الدوليّة وتضارُب المصالح بين الأنظمة الإجتماعيّة والإقتصاديّة المختلفة. بل يمكننا الذهاب إلى أبعد من ذلك إذ قام معظم رجال الدين بدعوة الناس إلى إقامة صلاتها في منزلها بعد أنّ كانت تحثّهم على ارتياد الجامع والكنيسة لسماع الخطب الدينية وإقامة الشعائر. فالخطاب العالمي الطبي، السياسي، الديني، والإجتماعي أخذ ملامح ومظاهر جديدة في التعاطي مع أزمة صحية لم يكن مجهزًا لها. إلى جانب التركيز على الوسائل الإعلامية ومنصات التواصل للتصدي لهذا الوباء من خلال نشر التوعية وإطلاق هاشتاغ بكل لغات العالم ”#خليك بالبيت“. فبقدر ما وحّدت هذه الأزمة موضوعات الخطابات العالمية بقدر ما فرّقت في الأسلوب الخطابيّ، إذ لم تتغافل الدول عن مصالحها الدولية بالرغم من معاناتها مع الوباء. حيث سيست الوباء وجعلته آلة حرب في خطاباتها إضافةً إلى تحديد القوة العظمى في العالم وتصنيفها على أساس قدرت الدول على إحتواء الوباء. كما فتحت باب الصراع الجيوبوليتيكي بين الأنظمة العالمية لوضع نهاية لإنتشار كورونا.

إنّ العالم اليوم في الحقيقة يحتاج إلى الخطاب المتوازن الذي يسعى للرفع من معنويات الناس الذين خنقهم هذا الوباء إلى حدّ ما. بل ويتطلب الأمر أكثر من ذلك من خلال توحيد الخطاب العالمي وجعل الدول تنسى خلافاتها وتقف مجتمعةً للتصدي لهذا الوباء لأنه يهدّد الحياة البشرية جمعاء وأسقط قوّة الأسلحة الحربية والنووية أمام الصحة والمرض. فلم ينفع السلاح الحربي في هذه الأزمة ولا الذخائر بل إنّ الخطاب اليوم هو الوقود والمحرّك لجعل الدول والشعوب تتعاطى بالشكل المطلوب مع هذه الجائحة.