“موتٌ وشيك… مهمشو اليمن في ظل جائحة كوفيد-19”

بقلم: Zahra Al Qadasi |

جاءت جائحة كوفيد-19 لتسهم أكثر في تردي الأوضاع الصحية في معظم دول العالم النامي، وتأتي اليمن في رأس تلك القائمة نتيجةً لافتقارها لأبسط الخدمات الصحية، خصوصًا بعد سيطرة ثلاثية الحرب الخبيثة عليها -الكوليرا، الحصار الاقتصادي، والحرب المسلحة- لتضع اليمنيين بين خيارين أحدهما المخاطرة بالخروج من المنزل لتوفير الغذاء للأسرة بشكل يومي مع احتمالية الإصابة بالمرض ونقله للأسرة أو الموت جوعًا مقابل بقاءهم في المنازل.

 

مجملًا، هذا حال اليمنيين، فرض عليهم الجوع نفسه، وتردي الأوضاع الاقتصادية يؤول بهم من أول المطاف لآخره إلى الإلقاء بذواتهم في أحضانِ الفايروس غيرَ مُبالين بخطورة ما ينتظرهم في الخارج، وهذا الحال ينحدر للأسوأ بالنسبة لأولئكَ الأقليات الأشد فقرًا من يطلق عليهم بالمهمشين.

 

شَكَّل المهمشون تجمعاتٍ بشريةٍ صغيرة بعد نبذِ المجتمع لهم، مكونين بذلك مجتمعاتٍ خاصةٍ بهم تفتقر لأبسط مقوماتِ الحياة التي إن توفرت قد ترتقي بهم لوضع طبيعي كغيرهم من البشر، لا لشيء إلا لإزالة تلك الوصمة وذلك التمييز الذي ظل ملتصقًا بهم منذ تواجدهم الأول؛ حيث يقال أنهم بعضٌ من بقايا الأحباش الذين غزوا اليمن سنة 525م، بينما يعتقد البعضُ الآخر أنهم من أصولٍ يمنية من منطقة زبيد تحديدًا.

وتشكل نسبتهم بحسب تقديرات الاتحاد الوطني للمهمشين أكثر من 3 مليون مواطن، ويشكلون حوالي 12 % من إجمالي عدد السكان في اليمن، وينتشرون في عموم المناطق الريفية ومراكز المدن اليمنية.

وبمعنىً ضيق جدًا يشير مصطلح الجماعات الهامشية إلى” مجموعة من الناس من ذوي البشرة السوداء تُعَدُ الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المعاكسة مسؤولة عن تهميش وجودهم، وبتعبيرٍ أدق تُعتبر الهامشية الوجه الآخر للفقر والحرمان وانعدام العدالة الاجتماعية “.

 

المهمشون في وضع كورونا

“إذ استذكرنا الأمر ووجد الماء ،غَسلنا أيدينا قبل الأكل، والحمد لله لا زلنا على قيد الحياة، وأيضًا نحن ننظف القمامة” هذا ما قاله أحد مهمشي مدينة صنعاء في سؤالٍ يقول: هل تتبع الإجراءات الاحترازية للوقاية من فايروس كورونا، وقال آخر: “يقولون لنا: ابقوا في المنزل ونحن لا نمتلك منازل”.

يعيش المهمشون في تجمعاتٍ عشوائية سواءً على أطرافِ المدن أو داخلها في أكواخٍ متلاصقة مصنوعة من الكرتون المقوى وصفائح الزنك وقطع الأخشاب الصغيرة والعلب الفارغة، ويتكون المَسكن من غرفة واحدة يسكنها 10 أشخاص أو أكثر، تفتقر لأبسط الخدمات الأساسية كالصرف الصحي والخدمات الصحية.

والأنكى من ذلك أنك قد تجد وبالصدفة البحتة أن بعض تلك التجمعات التي قد تعد الأكثر تطورًا بين سلسلة تلك التجمعات تحوي على تسعة حمامات تتشاركها ستون أسرة، وهكذا دواليك.

مصدر مياههم الوحيد هو (ماء السبيل) الذي يتوفر يومًا ويغيب شهرًا، وفي هذا الصَددِ تحدثت مديرة منظمة أطباء بلا حدود في اليمن والعراق والأردن، كارولين سيغين، لوكالة “فرانس برس”: “إن أغلب اليمنيون لا يمكنهم الحصول على مياه نظيفة، وبعضهم لا يمكنهم الحصول على الصابون”.

وأضافت: “يمكننا أن نوصي بغسل اليدين، ولكن ماذا لو لم يكن لديك أي شيء لتغسل يديك به؟!”

 

ناهيك عن رداءةِ وضعهم الاقتصادي فمعظمهم يعملون كخرازين (خياطي أحذية) أو عمال نظافة أو عمال صرف صحي أو في التسول . مع العلم أن قطاع النظافة لم يصرف لهم بدلات وقائية أو كِمامات كأقلِّ احتراز للحماية إلا مرةً واحدة منذ بدء الجائحة؛ متعللين بأن فئة المهمشين يمتلكون مناعة لا يملكها باقي سكان المنطقة.

 

كارثة صحية

قال أحد الأفراد: “لا يوجد أي تشخيص صحيح للمرض فهناك مرضى لم يحتملوا المرض فأدى بهم ذلك إلى الموت، وقمنا بدفنهم في باب اليمن، وقلنا هذا حق الله ”

هكذا يُفسر موت المهمشين، غالبًا يسجلون كمجهولين دون تشخيص لحالة المريض على الرغم من رداءة الوضع الصحي وانتشار جائحة كوفيد-19، وهذا أيضًا يشمل بقية مواطني العاصمة.

وأوضحت العيادة التي يرتادها المهمشون أن: “هنالك منطقة تسمى حارة “بني قيهو ” يتواجد بها إصابات بأعراض تشبه كورونا، تُوفيت سبع منها، والذين أُصيبوا لم يتعافوا بَعد”

ولأن المهمشين هم الأفراد الأشد احتكاكًا بالمجتمع وبمخلفات المنازل والمراكز الصحية والمستشفيات، فلنقل إذًا ودون مواربة: اليمنيون وخاصةً المهمشين مهددون بكارثة صحية مرعبة.

 

 

ماذا عن الحماية!

فقد أردف محمود الزبيدي رئيس مبادرة أساس قائلًا: “مصدر حمايتهم الوحيد هو البصل الأحمر يسلقونه ويتناولونهُ، ولم تقم الجهات المعنية بأي تعقيم لأيٍ من تلك التجمعات للفئة المهمشة الموجودة في العاصمة -باستثناء واحدٍ منها فقط-، الوضع لا يبشرُ بالخير؛ والقادم سيكشف كل شيء”.

فعَّلت بعض منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية دورها التوعوي بالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية تحت مشروع النموذج المتكامل لليونيسف بدعم عمال النظافة ببدلات وقائية وتوزيع الصابون للأسر المهمشة، وتفعيل دور الأشخاص المؤثرين لنشر التوعية في أوساط مجتمعهم، لكنها لم تكد تصل لكلِّ الأفراد، فقد قال تقي الدين وهو أحد المهمشين ” إلى الآن لم نتلقَ أي توعية سواءً من منظمة حكومية أو خاصة، زارتنا إحدى المنظمات قُبيل رمضان قامت بتعقيم الحارة لكنها لم تقدم أية توعية”.

وقال محمود رئيس مبادرة أساس: “المؤسسة تقوم بالتوعية إلكترونيًا لكن كما تعلمون قليلون هم المتعلمون من هذهِ الفئة وهذا ما نستطيع فعلهُ حسب استطاعتنا”

 

 

موتٌ على الهامش أيضًا

يقول رئيس مبادرة أساس: “نحن نبحث عن دعمٍ لتوفير بدلات وقائية وكِمامات للقائمين بأعمال الدفن وغسل الموتى”.

حيث بات المهمشون مؤخرًا يبحثون عن أكرم صور الموت بعد أن واجهت بعض الجثامين مشكلةً في إيجاد من يُكرمها بغسلها ودفنها. وجاءت هذهِ المبادرة من “أساس” لتعطي المهمشين حقًا حتى وإن بعد الوفاة، وهو حقُّ الموت بكرامة.

 

هذا هو حال الجماعات الأشد فقرًا “المهمشين” يعيشون جوعى مسلوبين أبسط حقوقهم. حيث كشفت نتائج المسح الذي أطلقته اليونسف والحكومات المحلية سنة 2014 للمجتمعات المهمشة عن مستويات عالية من الفقر مصحوبة بمعدلات متدنية من المعرفة بالقراءة والكتابة والالتحاق بالمدارس. ما يعني أن وضعهم اليوم في ظل هذه الجائحة، بات أشد سوءً، ولا يجدون من يهتم بهم ويراعي احتياجاتهم الإنسانية والصحية، ما يجعلهم يواجهون الموت بأيديٍ فارغة وصدورٍ عارية، مستسلمين له، آملين أن تلقى جثثهم قطعة أرضٍ تواريها، خصوصًا مع ارتفاع أسعار القبور إلى ما يقارب المئتي ألف ريال بحسب ما يشاع في وسائل التواصل الاجتماعي.