كورونا يقتل فرح اللقاء: حنين وعلي، الأخوان اللذان لم يلتقيا

بقلم: Maryo Nakhoul |

وصل علي رباح الى مطار بيروت على متن الطائرة الإيرانية المتجهة من طهران عند الساعة التاسعة من مساء الأربعاء السادس والعشرين من شباط الماضي. كان من المقرر أن يمضي عطلته في تركيا بصحبة شقيقته حنين التي كان من المفترض أن تنضم اليه من بيروت، قبل أن يدخلا معًا الى لبنان لتمضية بعض الوقت مع العائلة. لكن ما حصل هو أنه اضطر أن يغادر طهران ويعود الى لبنان قبل أسبوعين من الموعد المتفق عليه بطلب من السلطات الإيرانية بسبب انتشار فيروس الكورونا بشكل واسع في البلد.

إلى إيران دُرْ

تخرّج علي بتفوق في المدرسة واتّجه الى إيران ليتابع دراسته الجامعية في الهندسة. قراره اتخذه بعد اطلاعه على تصنيف الجامعة عالميًا. يقول علي إن الخيارات أمامه في لبنان كانت ضيقة جدًّا ورأى أن السفر الى الخارج سيشكل خبرة مميزة. تعلّم في العام الأول اللغة الفارسية والتحق في العام الثاني بجامعة طهران حيث يدرس هندسة المعدات الطبية وهو حاليًا في العام الدراسي الثالث.

الكورونا يقتل شخصين في إيران وعلي الى لبنان دُرْ

في الواحد والعشرين من شباط الماضي، أعرب مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس عن مخاوفه حيال عدد الإصابات بفيروس كورونا، بعد إعلان إيران حالتي وفاة بسبب الفيروس، ما يجعل إجمالي عدد الوفيات في إيران أربعة حتى التاريخ المذكور. ورأى تيدروس أن فرص احتواء الفيروس “تتضاءل”، في الوقت الذي أكّد مسؤولون في قطاع الصحة في إيران أن الفيروس قد يكون انتشر في “كل مدن إيران”.

كانت عائلة علي تتابع عن كثب التطورات وعند سماعها خبر وفاة الشخصين في إيران زاد إصرارها على عودة علي إلى أحضان أهله في لبنان. لم يخلُ التحضير للرحلة من المشقة، فقد واجه علي صعوبة كبيرة في حجز تذكرة سفر العودة لأنه لم يجد مكانًا في الطائرات التابعة لشركة “ماهان” والمتجهة الى بيروت. بعد محاولات عديدة لشراء تذكرة عبر الانترنت من لبنان ومن إيران، تمكن أخيرًا من الحصول على مقعد في الطائرة.

كما أن المشكلة الثانية التي اعترضت طريق علي هي عدم توفر “الكمامات الطبية” بسبب الإقفال الذي استمر أسبوعًا كاملًا في طهران قبل مغادرته. توجه الى عدد كبير من المتاجر والصيدليات. من دون جدوى. نفدت الكمامات في طهران، الأمر الذي استدعى تعلّم صنع كمامة يدوية. لكن بدون جدوى أيضًا. لذلك سافرت صديقة علي من قزوين الى طهران حاملة معها كمامة طبية له ليضعها على وجهه خلال سفره إلى بيروت.

في لبنان كما في إيران… ميزان حرارة لمكافحة كورونا

يوم 26 شباط، أكدت السلطات اللبنانية رصد ثاني حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد بالبلاد وقالت إن المريضة وضعت في الحجر الصحي بعد العودة من رحلة دينية لإيران. ولفتت وزارة الصحة في بيان إلى أن أعراض المرض بدأت تظهر على المرأة يوم الاثنين 24 شباط بعد وصولها على متن الرحلة ذاتها التي كانت عليها حالة الإصابة الأولى في البلاد. وصرّح وزير الصحة حمد حسن أن طائرة الحالتين كانت تقل 150 راكبا وأن أي شخص ستظهر عليه الأعراض سيجري فحصه ووضعه في الحجر الصحي.

يروي علي أن “السفارة اللبنانية في إيران بعثت برسالة الى الجامعات الإيرانية تعلمها أن الطلاب اللبنانيين سيعودون الى بيروت وطلبت منها تفهّم الوضع وعدم تسجيل غيابهم عن المحاضرات. وأعربت السفارة عن استعدادها لمساعدة الطلاب والتعاون معهم لتأمين عودتهم الى وطنهم الأم”.

أما بالنسبة للإجراءات التي اتخذتها وزارة الصحة الإيرانية، فلفت علي الى أنها “اكتفت بأخذ درجة حرارة الجسم وحسب على مدخل المطار، من دون أي تدابير أخرى”. كما يوضح علي أنه “على متن الطائرة، عدد كبير من المسافرين والمسافرات وضعوا الكمامات الطبية على وجوههم، لكن البعض لم يجد كمامة ليحمي نفسه. بشكل عام، التزم معظمهم بإرشادات وزارة الصحة. الجو العام لم يكن هادئًا لأن الفيروس ليس مزحة ولا لعبة. أما عند هبوط الطائرة في بيروت، تمّ توزيع استمارات على المسافرين والمسافرات وطلب منهم الإجابة على أسئلة مثل: “أين ستقيم في لبنان؟ كم من الوقت ستبقى في لبنان؟ أين كنت قبل أن تأتي الى لبنان؟ كم بقيت هناك؟ رقم الهاتف؟ هل تعرف أحدًا مصابًا بفيروس كورونا؟”. بعد ملء الاستمارة، يوقعها المسافر ويخرج من الطائرة”.

يتابع علي: “قبل تقديم جوازات السفر وختمها، يدخل المسافرون والمسافرات الى مكان لأخذ درجة حرارة جسمهم ويُطرح عليهم بعض الأسئلة، ولا يخلو ذلك من تذمّر البعض من الجو العام”، ويكشف عن أنه “لوحظ ارتفاع طفيف بدرجة حرارة جسم شخصين كانا على متن الطائرة وتمّ وضعهما على حدى، بعدها تمّ أخذ درجة الحرارة مجددًا وقيل لهما إنهما بخير وتابعا سيرهما. كما في مطار طهران، الإجراءات التي اتخذتها وزارة الصحة اللبنانية في مطار بيروت اقتصرت على أخذ درجة حرارة الجسم وحسب من دون أي تدابير أخرى أو فحوص للتأكد من عدم إصابة المسافربن بالفيروس”.

26 شباط: لا داعي للهلع

يوم 26 شباط، بلغ عدد حالات الإصابة المسجلة بفيروس كورونا 80 ألفا و988 في 33 دولة، إلا أن المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا أكّد في تصريح صحفي أنه “لا داعي للهلع بسبب التفشي”، مشيرًا إلى أن “معدل الوفيات بلغ نحو اثنين في المئة عالميًا وواحدا في المئة في الصين التي يوجد فيها 96.5% من حالات الإصابة على مستوى العالم”، على حد قوله.

في إيران، أشار المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إلى أن 19 شخصا إجمالا لقوا حتفهم وأصيب 139 بفيروس كورونا المستجد في البلاد. السلطات الصينية من جهتها، أعلنت ارتفاع حالات الوفاة جراء فيروس كورونا، إلى 2717 شخصا، وإصابة 79108 آخرين. فيما لفتت وزارة الصحة الكويتية إلى أن عدد المصابين بفيروس كورونا في البلاد ارتفع إلى 25 بعد تأكد إصابة 13 آخرين. وذكرت الوزارة في بيان أن الحالات الجديدة مرتبطة بالسفر إلى إيران. وأفادت وكالة الأنباء الكويتية بأن السلطات ستُعلق الدراسة في كل المدارس الحكومية والخاصة والجامعات لمدة أسبوعين بدءًا من أول آذار. وأعلنت الخطوط الجوية الكويتية في بيان عن أنها سترسل طائرة إلى ميلانو بإيطاليا لإجلاء الكويتيين بسبب مخاوف من الفيروس.

أما العراق فحظر كل التجمعات العامة ومنع المسافرين من الكويت والبحرين من دخول البلاد، ليرتفع عدد الدول التي وضعت على قائمة منع الدخول إلى تسع في ظل تنامي المخاوف من انتشار الفيروس، وهي الصين وإيران واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وسنغافورة وإيطاليا والبحرين والكويت. كما أمر بتعليق الدراسة في المدارس والجامعات وإغلاق دور السينما والمقاهي والنوادي والمنتديات الاجتماعية من 27 شباط وحتى 7 آذار.

بدوره، كشف المركز الأميركي لمكافحة الأمراض والوقاية عن ست حالات إصابة إضافية بفيروس كورونا المستجد لمواطنين أميركيين جرى إجلاؤهم من السفينة السياحية دايموند برنسيس التي كانت خاضعة للحجر الصحي قبالة اليابان، ومدينة ووهان في الصين، ليرتفع بذلك عدد حالات الإصابة المؤكدة في البلاد إلى 59 أميركيا حتى 26 شباط. وأصدرت الولايات المتحدة تحذيرات من السفر إلى إيران وإيطاليا ومنغوليا، وحثت وزارة الخارجية الأميركيين على توخي الحذر الشديد عند السفر إلى إيطاليا، وقالت إن على الموجودين في إيران أيضا أن يكونوا حذرين.

في ألمانيا أعلن الجيش عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا في ولاية راينلاند بفالتس غربي البلاد، وأوضح أن الإصابة تعود لجندي يتلقى العلاج بالمستشفى المركزي للجيش في مدينة كوبلنتس. وكانت السلطات الألمانية أعلنت في وقت سابق إغلاق مطار كولونيا-فان العسكري بشكل مؤقت كإجراء احترازي له علاقة بعدوى فيروس كورونا.

في فرنسا، أعلنت السلطات الصحية عن أن شخصا ثانيا توفي جراء إصابته بفيروس كورونا وإن فحوصات أثبتت إصابة فرنسي سافر إلى منطقة لومبارديا الإيطالية بالفيروس. وقال مدير وزارة الصحة إن المتوفى البالغ من العمر 60 عامًا لاقى حتفه بعد نقله إلى مستشفى في باريس في حالة خطرة وإنه كان ثالث حالة إصابة خلال 24 ساعة.

في إيطاليا، لفت رئيس وكالة الحماية المدنية إلى أن رجلا توفي في شمال البلاد بسبب فيروس كورونا ليرتفع إجمالي عدد الوفيات في إيطاليا إلى 12 بينما زاد عدد الإصابات المؤكدة إلى 376، بارتفاع أكثر من 50 مقارنة مع اليوم السابق (أي يوم 25 شباط).

 كورونا يقتل فرح اللقاء

توقعت حنين أن تقوم السطات اللبنانية بحجر أخيها علي بعد وصوله من إيران، لكن ذلك لم يحصل فقررت العائلة أن تخصص بيتها الثاني في البقاع لحجر ابنها خلال أسبوعين مع العلم أنه لم تظهر على علي أي عوارض، وذلك بعد استشارة طبيبة مقربة من العائلة تعمل في مستشفى رفيق الحريري الحكومي. تمّ تجهيز المنزل بشكل سريع لاستقبال علي الذي توجّه الى البقاع مباشرة بعد وصوله الى مطار بيروت.

حاولت العائلة تأمين كافة سبل الراحة لابنها الذي شاع عنه في القرية أنه مصاب بفيروس كورونا. تمّ تزويد سيارة والد علي بالمطهر والمناديل المعقمة والكمامات، بالإضافة الى وجبة طعام وهاتف محمول فيه خط يعمل داخل لبنان، وتمّ ركن السيارة في مرآب المطار.

حضرت حنين الى المطار، هي التي عملت جاهدة لتأمين ما يلزم من طعام ومستلزمات وقائية لأخيها الذي لم تلتقيه منذ أكثر من خمسة أشهر. لكن اللقاء لم يحصل. حنين حرمت عناق أخيها وتقبيله حرصًا على سلامتها وسلامة من تعرفهم في المنزل والحي والجامعة…

اكتفت حنين بمشاهدة أخيها عن بعد. لم تقترب منه. لم تقترب منه. لم تلمسه. لم تلمسه. لوّحت له بيدها على بعد عشرات الأمتار، على حد قولها. الكورونا يقتل فرح اللقاء ويبعثر العائلة والأصدقاء. لكن حنين كانت فرحة والتقطت صورة تذكارية في هذه المناسبة غير المألوفة. أما محمّد، شقيق علي، والذي رافق حنين الى المطار، فرمى مفاتيح السيارة عن بعد وراقب أخاه يركب السيارة ويتجه الى البقاع.

26 شباط: شقيق حنين وصل من إيران… إهلعوا

كان صعب على والدة علي أن تنتظر وصول ابنها وهي تعرف أنها لن تغمره ولن تقبّله أو حتى تقترب منه. وكانت تردد “شو فيها يعني إذا قرّبت عليه؟! بدو يعديني؟ ايه يعديني!”، مع العلم أن أم علي لديها مشاكل صحية عدة في مراحل متقدمة، مما يسهّل إصابتها بالفيروس.

يوم 28 شباط، وصلت حنين إلى الجامعة، وهي تتابع دراساتها العليا في علوم الإعلام والتواصل في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية في منطقة الطيونة. اقتربت من الدكتورة في الصف تتحدث معها. “حنين احفظي مسافة 3 أمتار بيني وبينك لأن أخاك وصل منذ يومين من إيران”، هذا ما قاله أحد الزملاء في صف حنين. “انتفخت عينا الدكتورة وتغيّر لون بشرتها وتفاجأت فأصيبت بالهلع. فأصرّت على إبقاء النافذة مفتوحة وبقيت بدورها تحت الصدمة”، على حد قول حنين.

بعد ذلك، تروي حنين أنها تلقّت اتصالًا أثناء تواجدها في الصف، وإذ به اتصال من إدارة الجامعة يطلب منها التوجه الى مكتب أمينة السر.

 “عرفنا من زملائك في الصف أن أخاك وصل من إيران…

– صحيح

– لماذا أتيت الى الجامعة؟

– ما المشكلة؟

– أخوك جاء من إيران. ألا تعرفين مدى خطورة ذلك؟ أنت تسببين خطرًا للجامعة!

– لم أقابل أخي ولم أغمره. من حقك أن تقلقي لكننا اتخذنا التدابير اللازمة للوقاية من الفيروس. وعلي أخي لا يقيم معنا في المنزل، وهو الآن في البقاع في بيت لوحده سيمضي فيه أسبوعين من الحجر الصحي. لا أقبل أن ألحق الأذى بأحد”.

نزلت حنين من الطابق الثامن على وقع أنظار الموظفين الذين راقبوا تحركاتها وحركاتها ولمساتها، على حد قولها. وتضيف أنه تمّ تعقيم المصعد والصف بعد مغادرتها. “انزعجت كثيرًا. الخوف مبرر. لكن ما أزعجني هو أنهم لم يحترموا عقلي ووعيي ولم يثقوا بكلامي”.

حملت حنين وصمة الكورونا على يديها وثيابها وحجابها وقلمها ودفترها وحقيبتها لكنها لم تحمل الفيروس. خاف منها من حولها وليس عليها، خافوا على أنفسهم قبل أي شيء وفوق أي اعتبار، مع أنها أوضحت لهم أنها احترمت تعليمات وزارة الصحة وتوصياتها وأنها لم تلتقِ أخاها عن قرب ولم تلمسه أو تحتك به.

في القرية، الوصمة كانت موجودة منذ البداية وانتشرت شائعة إصابة علي بفيروس الكورونا. تبهّر الخبر وتملّح وأصبح بنسخته التأليفية الخيالية: “جاءت وزارة الصحة الى بلدة اللبوة وأخذت علي رباح من منزله لأنه مصاب بالكورونا”، الخبر الذي نفاه والد علي. وتفيد حنين بأن وزارة الصحة تتواصل منذ اليوم الأول مع العائلة عبر الهاتف من دون توقّف لتطمئن على صحة علي وتتأكد من عدم ظهور أي عوارض عليه وتشدد على التزام الجميع بإرشاداتها.

بالنسبة لعلي، فهو لم يقم بأي فحص لأنه لم يشعر بأي عوارض ويتمسّك ببقائه داخل المنزل حتى انتهاء فترة الحجر الصحي المنزلي.

 فرح اللقاء… بعد يومين… انشالله

“شعرت بأن الحجر الصحي سيصيبني بمرض ما، لا أعرف ما هو. شعرت بضغط نفسي كبير”.

ويضيف: “ما أخافني بالفعل هو قراءتي لمنشورات البعض على وسائل التواصل الاجتماعي يؤكدون فيها ظهور الفيروس عند الأفراد بعد 13 يومًا من الحجر الصحي”. ويضيف: “على الفرد أن يتحضّر نفسيًا ويهيئ نفسه للحجر لأنه سوف يكون وحده ولن يلتقي أحدًا، فيمكنه مثلًا أن يقرأ كتابًا لتمضية الوقت ولكي لا يشعر بالملل والضجر والوحدة”.

تخبر حنين أن أخاها يتناول الطعام الذي تعده له والدته وتضعه أمام باب المنزل المجاور لبيتها في صحون بلاستيكية يتم رميها بعد الانتهاء من الأكل في أكياس بلاستيكية توضع في كيسين آخرين يتمّ تعقيمها وترمى مع النفايات. وبالنسبة للصينية، ترتدي أم علي قفازات طبية وتقوم بتعقيمها مرارًا وتكرارًا كخطوة وقائية.

تؤكد حنين أنها لم تلتقِ أخاها حتى اليوم وقد اكتفت بالاتصال به عبر واتساب ولقائه افتراضيًا، كما كشفت عن أن فترة الحجر الصحي لعلي ستنتهي يوم الخميس (بعد يومين)، مشيرة الى أن العائلة تستعد لإقامة حفلة كبيرة تجمع فيها علي بأصدقائه وأقاربه للاحتفال بعودته من إيران… سالمًا… انشالله.