صناعة الجوع.. الجامع المشترك بين فرقاء الحرب في اليمن

بقلم: نجم الدين قاسم |

 

لم تترك الأطراف المتحاربة في اليمن وسيلة إلا واستخدمتها في صراعها، منذ اليوم الأول للنزاع المسلح الذي اندلع في مارس/ آذار 2015، فقد أستخدمت كل الأطراف تجويع المواطنين كأسلوب من أساليب الحرب، من خلال حرمانهم من الاحتياجات التي تبقيهم على قيد الحياة، في انتهاك واضح للقانون الدولي والإنساني، الذي قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الجنائي الدولي.

 

لم يكن ( محمد حسين – أسم مستعار) يعرف ما السبب الذي يجعل المنظمات الإغاثية والإنسانية تستثنيه مرة تلو الأخرى وتسقط أسمه دائمًا من ضمن قائمة المستفيدين من موادها الإغاثية والغذائية التي تقدمها للمواطنين المتضررين من الحرب وقصف طيران التحالف العربي (بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات) لمنازلهم وممتلكاتهم الزراعية في مديرية سحار بمحافظة صعدة شمالي اليمن، الأمر الذي جعله يحمل تساؤلاته للمسؤولين في تلك المنظمات الذين بدورهم أخبروه بأن أسمه تم إسقاطه بسبب ضغوطات تلقتها المنظمة من قيادات جماعة أنصار الله (الحوثيين) في المديرية، حيث تم إستبدال إسمه بإسم شخص آخر تحت مبرر عدم ولائه لهم.

 

إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق

تفرض جماعة أنصار الله (الحوثيون) بشكل متكرر على المنظمات الإغاثية التي تعمل في المناطق الخاضعة لسيطرتها قوائم مستفيدين، تحدد فيها تقديم المساعدات لهم، وتشمل هذه القوائم على أسماء أفراد أسر المقاتلين والأسرى والمتوفين التابعين للجماعة، وفي السياق ذاته  قامت “منظمة مواطنة لحقوق الإنسان و مؤسسة الامتثال للحقوق العالمية“، بتوثيق عشرات الحالات المشابهة في دراستها الإستقصائية “صناع الجوع” الذي استمر العمل عليها لست سنوات واشتملت على عشرات المقابلات التي قام بها مختصين تابعين للمنظمة مع مواطنين حُرموا من حقهم في الحصول على المواد الغذائية التي تقدمها المنظمات الإغاثية، وإعطائها لأشخاص آخرين.

يقول أحد المواطنين في محافظة صعدة، الذي كان يتلقى مساعدات غذائية قبل أن يتم حذفه من قائمة المستفيدين في عام 2021 أنه من الصعب على الأسر التي لم يقاتل أفرادها في صفوف جماعة أنصارالله، أو أسر الأشخاص الذين لم يُقتلوا في الجبهات من أجل الجماعة الحصول على المساعدة.

وفي مطلع عام 2020، قامت إحدى المنظمات المحلية الشريكة التابعة لجماعة أنصار الله بتوزيع المساعدات على عشرة مستفيدين، وقامت بتصوير تلقيهم للمساعدات لتثبت للجهات المانحة أن المنظمة قد سلمت المساعدات بالفعل لمحتاجيها، ومن ثم طلبت جماعة أنصار الله من المنظمة المحلية الشريكة تسليم ما تبقى من المساعدات للأفراد الذين زعموا أنهم ممثلون المستفيدين المستهدفين،وما كان من المنظمة إلا أنها رضخت لضغط مشرفي الجماعة وسلمت المساعدات للأشخاص للأفراد الذين كانوا برفقة المشرف، يقول (عمر – أسم مستعار) الذي يعمل في المنظمة: “لا أعتقد أن هذه المساعدات ستصل إلى المستفيدين”

ويضيف ” في مجتمع في محافظة صعدة هناك بعض الفئات الأكثر احتياجًا للمساعدات الإغاثية مثل النازحين وذوي الإحتياجات الخاصة وغير القادرين على إعالة أنفسهم، ولكن وبالرغم من ذلك فقد اُجبرنا على صرف المساعدات لأناس لا يحتاجونها، ولكنهم ينتمون لجماعة أنصار الله”.

و في إحدى الحالات المشابهة التي رصدتها منظمة مواطنة، منتصف عام 2020، فقد أجبر المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية(SCMCHA)، التابع لجماعة أنصار الله (الحوثيون) إحدى المنظمات الدولية على نقل مشروع إغاثة تابع لها من مديريات صعدة وسحار في محافظة صعدة، الى مديريات أخرى في المحافظة، وحاول أنصار الله (الحوثيون) بعد ذلك فرض قائمة بالمستفيدين من المشروع، شملت أسر القتلى التابعين لهم.

يقول (عمران – اسم مستعار) أحد العاملين في المشروع: “كانت هذه المساعدات مخصصة لأكثر من 1000 مستفيد من الأسر التي تعاني من مشاكل صحية، ورفضنا بشكل قاطع إيصال المساعدات إلى قائمة المستفيدين التي فرضتها علينا جماعة أنصار الله (الحوثيون)، لكن هذا أدى إلى قيام الجماعة بعرقلة المشروع، الأمر الذي أدى بدوره إلى تكبد المنظمة نفقات عالية لتخزين هذه المساعدات”.

لكن في الأخير، وبسبب تكاليف التخزين والخوف من تلف المواد الغذائية، امتثلت المنظمة لمطالب جماعة أنصار الله (الحوثيون) على أمل أن يتمكنوا على الأقل بعد ذلك من مساعدة بعض المستفيدين المستهدفين، “يعني أننا اضطررنا لتقديم المساعدات لمن لا يستحقها”  يقول عمران.

تجويعٌ بهدف التطويع

استفادت الأطراف المتحاربة في اليمن من الوضع الإقتصادي المزري الذي يعيشه المواطنين، في تحشيد وتجنيد الآلاف منهم، والزج بهم إلى جبهات القتال المشتعلة في أغلب المحافظات اليمنية، حيث تسعى جميع الأطراف إلى تدمير مصادر دخل بعض العائلات في المناطق التي تستعر فيها المواجهات، لكي تدفع بالمدنيين والشباب للإنخراط في صفوف التجنيد حتى يستطيعوا توفير مصدر دخل جديد عوضًا عن ما تدمر.

شهدت محافظة الحديدة وأجزاء من المناطق الساحلية في محافظتي حجة وتعز، والتي تعتبر مواقع لأحد الجبهات الرئيسية في الصراع، أكبر عدد من وقائع العنف حتى بعد إتفاق ستوكهولم عام 2018 ووقف إطلاق النار، فقد سجل مشروع رصد الأثر المدنــCIMPـــي “966” حادثة واقعة عنف مسلح في محافظة الحديدة فقط خلال 2019 وهي تشكل نسبة 43% من إجمالي وقائع العنف المسلح في البلاد لذلك العام، وذلك أدي بشكل كبير إلى تدمير إقتصاد المحافظة وجعل 56% من سكان المحافظة يعانون من انعدام الأمن الغذائي .

ومثلت هجمات التحالف بقيادة السعودية والإمارات عامالًاً حاسمًا في تدمير اقتصاد الحديدة من الصيد، حيث قام التحالف بشكل متكرر بضرب قوارب الصيد والمرافق ذات الصلة بأنشطة الصيد في المحافظة؛ مما أدى إلى مقتل وجرح العديد من المدنيين وتدمير سبل عيشهم من خلال ذلك، ويُعد صيد الأسماك مصدرًا ضروريًا من مصادر كسب العيش والغذاء لأغلب سكان محافظة الحديدة والمناطق الساحلية في محافظتي حجة وتعز.

يقول (أحمد علي – أحد أبناء منطقة اللحية 30 عام): “كان الصيد هو الملاذ الذي يقصده كل من يبحث عن طعام أو مصدر دخل، كان البحر يمثل كل شيء للمجتمع، فهناك الذين يقومون بصيد الأسماك، وآخرون يعملون ببيعها، وأشخاص يعملون في مصانع الثلج أو شركات تصدير الأسماك، لم تكن هناك مشاكل تتعلق بالصيد قبل هذه الحرب”.

ويُضيف “أما بالنسبة للجوع، فهو شيء يعاني منه مجتمع تهامة حتى قبل الحرب، لكن الحرب جعلت الكثير من الناس فريسة سهلة للجوع، فقد أثر استهداف الصيادين وقطاع صيد الأسماك بشكل كبير على سعر الأسماك في الأسواق، فقد وصل سعر الأسماك إلى ثالثة أضعاف ما كان عليه من قبل؛ وذلك بسبب هو ندرة الأسماك في السوق، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، وعزوف الصيادين عن مهنة الصيد بسبب مخاطرها وذهاب بعضهم للتجنيد الذي لقوا فيه مصدر جديد للدخل”

في ذات السياق وثقت منظمة مواطنة ما لا يقل عن 16 هجمة جوية شنتها قوات التحالف بقيادة السعودية والإمارات على الصيادين وقوارب الصيد وأسواق بيع الأسماك خلال الفترة من مارس/ آذار 2015 إلى ديسمبر / كانون األول 2020 استهدفت قطاع صيد الأسماك في الحديدة، 50 % منها تقريبا استهدفت مواقع في مديرية اللحية

على الجانب الآخر استخدمت جماعة أنصار الله (الحوثيون) نفس الأسلوب، وذلك بمنع المنظمات الإغاثية من تنفيذ مشاريع الإغاثة النقدية الطارئة، فقد وثقت منظمة مواطنة حالات محددة أوقفت فيها جماعة أنصار الله تنفيذ مثل هذه المشاريع ففي محافظة صعدة، ومنعت المنظمات من تقديم الإغاثة الإنسانية من خلال المدفوعات النقدية، يرى عاملون في المجال الإنساني أن توزيع المعونات النقدية الإنسانية يحد من قدرة جماعة أنصار الله (الحوثيون) على تجنيد المقاتلين، فقد استفادت الجماعة من توقف رواتب الموظفين الحكوميين في تجنيد المقاتلين بما في ذلك الأطفال، من خلال تقديم مدفوعات نقدية بسيطة أو مواد أساسية مثل الطعام لعائلات الأشخاص الذين تقوم الجماعة بتجنيدهم، والمساعدات النقدية التي تقدمها المنظمات الإنسانية لهذه العائلات تثبط من عملية التجنيد هذه.

“استفادت الأطراف المتحاربة في اليمن من الوضع الاقتصادي المزري الذي يعيشه المـواطنون، في تحشيد وتجنيد الآلاف منهـم، والزجّ بهم إلى جبهات القتال المشتعلة في أغلب المحافظات اليمنية، حيث تسعى جميع الأطراف إلى تـدميـر مصـادر دخـل بعـض العائـلات في المـناطـق التي تستـعـر فيهـا المواجهات، لكي تدفع بالمدنيين والشباب للانخراط في عمليات التجنيد التي تقوم بها.”

حصارٌ وإبتزاز وإجراءات تُعيق وصول المساعدات لمستحقيها.

ترى منظمة مواطنة لحقوق الإنسان ومؤسسة الامتثال للحقوق العالمية، أن الأطراف المتحاربة في اليمن أعاقت وصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين بعدة طرق، بما في ذلك فرض القيود على الواردات من المواد الغذائية والمستلزمات الطبية وعرقلة نقل المواد الأساسية داخل اليمن، والاستيلاء على المساعدات وتحويل مسارها، وتأخير أو منع توزيعها والتدخل في قوائم المستفيدين، وإصدار التشريعات التي تقيد عمل المنظمات الإنسانية، ومنع تنقل فرق المساعدات وترهيب واعتقال العاملين في مجال الإغاثة والتعامل معهم بعنف، حيث كان لهذه الأساليب المتنوعة في عرقلة وصول المساعدات الإنسانية تأثير خطير على حالة الأمن الغذائي والمائي للمدنيين.

منذ مايو/ أيار 2016، وضعت الأمم المتحدة آلية للتحقق والتفتيش (UNVIM) للسفن التجارية التي تتحرك عبر الموانئ اليمنية في البحر الأحمر، حيث يأتي ذلك إمتثالاً لقرار مجلس الأمن 2216 بحظر دخول واستيراد الأسلحة إلى اليمن، ولتسهيل التدفق الحر للسلع والمساعدات التجارية، لكن ومع ذلك فإن عمليات التفتيش المستمرة التي يقوم بها التحالف بقيادة السعودية والإمارات على الشحنات استمرت في عرقلة حركة البضائع، بما في ذلك المساعدات الإنسانية.

في الطرف الأخر بأقصى غرب اليمن، تفرض جماعة أنصار الله (الحوثيون) حصارًا على مدينة “تعز” ثالث أكبر المدن اليمنية من حيث الكثافة السكانية، فمنذ أن سيطرت الجماعة على مداخل المدينة في 2015، يقوم مسلحو الجماعة بمصادرة ومنع دخول المواد الغذائية والأدوية الضرورية التي تُلبي إحتياجات بقاء المدنيين على قيد الحياة، كما أعاقت حركة المواطنين من وإلى المدينة، فقد وذكرت منظمة أطباء بلا حدود في عام 2017، أن الحوثيون منعوا دخول المساعدات الإنسانية والطبية إلى  وسط المدينة والمناطق المحيطة بها الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية اليمنية (الشرعية).

ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش 16 واقعة خلال الفترة بين ديسمبر/ كانون الأول 2015 و يناير/ كانون الثاني 2016، حيث قام حراس في نقاط تفتيش التابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين) بمنع المدنيين من إدخال مواد إلى المدينة، بما في ذلك الفواكه والخضروات وغاز الطهي وجرعات التطعيم وحزم علاج الغسيل الكلوي وأسطوانات الأكسجين، وصادرت بعض هذه المواد، ويرى فريق الخبراء البارزين GEE أن هذه الأساليب قد ساهمت في التجويع، كما وجد الفريق أن أنصار الله “ربما استخدموا الحصار كشكل من أشكال العقاب الجماعي على السكان المدنيين المقيمين داخل تعز” ، الذين اعتبروهم بأنهم مؤيدون لأطراف معارضة لهم.وبحسب تقرير سابق لمنظمة مواطنة فأن هناك أطراف متحاربة أخرى، بما في ذلك القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، تفرض قيودًا تعسفية على التنقل وتجبر المدنيين على تسليم مبالغ كبيرة من المال عند نقاط التفتيش التي يسيطرون عليها في مناطق أخرى من تعز.

ألغام وأرض مفخخة 

في أواخر العام 2016 عندما اشتدت الاشتباكات بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله (الحوثيون)، في الأجزاء الساحلية غرب جنوب محافظة تعز، تحديدًا في مديرية ذوباب والعُمري، سارع الحوثيين قبل انسحابهم إلى زرع الألغام بشكل عشوائي في أجزاء متفرقة من المديرية حتى يعيقون تقدم القوات الحكومية باتجاه المناطق التي مازالت تسيطر عليها الجماعة.

تسببت الألغام التي زرعتها جماعة الحوثي بنزوح عشرات الأسر من المديرية، ذلك جاء بعد إنفجار العشرات منها بوجوه المواطنيين المدنيين، حيث لا توجد خريطة توضح للسكان المحليين مكان زراعة هذه الألغام لكي يتجنبوها.

“صالح أحمد 35 عام” أن شقيقه الأصغر “محمد” فقد أحدى ساقيه إثر إنفجار لغم أرضي به بينما كان يرعى الأغنام في جبل المثلث بمنطقة العمري عام 2019، ويصف كيف كانت جماعة أنصار الله (الحوثيين) يقوموا بزرع الألغام في مناطق كانت ضرورية لحصول السكان على الغذاء والماء ويقول “إن الألغام الأرضية المضادة للأفراد والمركبات منتشرة في كل مكان، وتتركز في مناطق تحتوي على المياه والمراعي، كان أنصار الله مسيطرين على هذه المناطق لسنوات، وهم يعرفون أهميتها بالنسبة للسكان، لكنهم ال يكترثون بأرواحنا”

من جهته يرى ستيف غوس، مدير قسم الأسلحة في هيومن رايتس ووتش أن إستخدام الألغام الأرضية، تُبين مدى قسوة قوات الحوثيين وحلفائها تجاه المدنيين، ويضيف “على الأطراف المتحاربة في اليمن التوقف فورا عن زرع الألغام، وتدمير أي ألغام بحوزتها، وضمان عمل فرق نزع الألغام دون عوائق حتى يتسنى للأسر العودة إلى بيوتها بسلام”

وثقت منظمة مواطنة 269 انفجارًا لألغام أرضية في اليمن منذ 2014، أسفرت عن مقتل 214 مدنيًا وإصابة 282 آخرين وخلصت الدراسة والمقابلات التي أجرتها منظمة مواطنة إلى أن جماعة أنصار الله هي من زرعت هذه الألغام. ومن بين هذه الحالات، وثقت منظمة مواطنة ما لا يقل عن 83 إنفجارًا لألغام أرضية زرعتها الجماعة في جميع أنحاء اليمن والتي أثرت بشكل خاص على مدنيين كانوا يحاولون الوصول إلى مصادر الغذاء والمياه والمراعي.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2019 أرادت خمس أسر نازحة من أهالي منطقة العمري العودة لمنازلهم، وبسبب خوفهم من الألغام فقد اضطرت هذه العائلات لإستئجار فريق مختص في إزالة الألغام لتطهير مزارعها والطرق المؤدية لها تعتبر عملية إزالة الألغام عملية مكلفة للغاية فالفريق يتقاضى حوالي 350 دولار عن كل يوم عمل، ويمكن أن تستغرق إزالة اللغم الواحد ما بين عشر دقائق وقد تصل إلى ساعة كاملة.

وبعد أن تم تطهير المنطقة من الألغام الأرضية تمكنت الأسر الخمس من العودة الى منازلها ومزارعها، وتمكنت أيضًا من إعادة تشغيل أحد مرافق المياه وضخ المياه إلى مزارعها مرة، في المقابل لا تزال بقية أجزاء المنطقة مليئة بالألغام بشكل كثيف، وهناك أسر نازحة أرهقها النزوح والتشتت، تتمنى العودة لمنازلها لكنها لا تجد أجر فرق إزالة الألغام.