Opinion Piece

بعد انفجار العنبر 12 في مرفأ بيروت… فليكن حدادًا مؤبدًا

بقلم: Maryo Nakhoul |

توقّفت عقارب الساعة في بيروت مساء أمس الثلثاء 4 آب 2020. انفجار حوالى 2750 طنا من نيترات الأمونيا مخزنة بطريقة غير آمنة في مرفأ بيروت لنحو ست سنوات، كان بمثابة صواريخ الحرب الأهلية وحرب الإلغاء وحروب المنطقة برمّتها التي تغلي على نار أميركية- إيرانية. الانفجار كان كافيًا لتدمير بيروت وقلبها رأسًا على عقب وتشويه وجهها الراني.

لا دفنًا ولا حدادًا ولا لون أسود يردّ أكثر من 100 قتيل إلى الحياة ويداوي جراح ما يزيد عن 4000 جريح. سواد الكون بكواكبه ومجراته وغباره وشمسه وقمره لا يكفي للتعويض عن الخسائر.

أمس، مات من مات وجرح من جرح ونجا من نجا لكن بيروت نامت وحدها طوال الليل، عارية، وحيدة، خائفة، مصدومة، ملتهبة، تحترق، تبكي وحدها. تخال أنها فقدت جمالها ورونقها وسحرها. بيروت في الأمس توقّف قلبها لكنها لم تمت…

الانفجار سُمِعَ في قبرص لكن بيروت قوية!

خيّم اليأس على شوارع بيروت وطرقاتها ومحالها وأبنيتها وبيوتها وزواياها. “بعد أن بدأ شبح الضباب البني بالزوال، ظهرت شوارع بيروت في خراب مروع. حتى على بعد أربعة كيلومترات من موقع الانفجار، فقدت المباني نوافذها […] والطرقات مليئة بقطع كبيرة من الزجاج المتناثر الذي مزّق هياكل السيارات، والأشجار تهاوت بفعل الانفجار وبرك من الدماء سالت في الشوارع”، على حد وصف مارتن شولوف، مراسل صحيفة الغارديان في لبنان واصفاً حال المدينة بعد وقوع الانفجار.

إن الطريق المؤدي الى مرفأ بيروت دُمّرت مبانيه ومطاعمه ومقاهيه. أسابيع من القصف المتواصل لم تكن لتنتج هذا القدر من الدمار الذي لم تشهده المدينة منذ وقت بعيد. لكن بيروت قوية! هي مدينة اعتادت في تاريخها على الانفجارات والتفجيرات والاغتيالات، أبشعها كان عام 2005 حين اغتيل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري ومن المنتظر أن تنطق المحكمة الدولية بقرار الاتهام يوم الجمعة المقبل في 7 آب 2020.

يذكر أن الانفجار الذي وقع في العاصمة سمع على بعد 80 كيلومترًا من بيروت إلى الشمال من لبنان. وأفادت تقارير بسماعه على بعد 250 كيلومترًا في شرق قبرص.

انفجار العنبر 12: اسرائيل تبرّئ نفسها والعالم يتضامن مع بيروت

“هل سيكونون صادقين في ما يقولونه بشأن أسباب ما حدث؟ أشكّ في ذلك”، هذا ما قاله شاهد عيان حين سُئِل عن سبب الانفجار، مؤكدًا أنه “لم يحدث شيء كهذا في تاريخ لبنان. الانفجار كان بمثابة انفجار نووي، أعتقد أنه ناجم عن انفجار كمية كبيرة من المتفجرات العسكرية”، وكأنه بكلامه لم يقتنع برواية مدير جهاز الأمن العام في لبنان الذي نفى رواية انفجار مستودع للألعاب النارية ورجّح فرضية خطأ في مستودع يحتوي مواد شديدة الاشتعال”.

المصيبة التي وقعت على لبنان قابلها رد اسرائيلي ينفي أي صلة لتل أبيب بالانفجار من جهة وتضامن قادة دول عربية وغربية من جهة أخرى. فتوالت ردود الفعل العربية والعالمية المتضامنة مع لبنان وأبدى قادة فرنسا وقبرص والاتحاد الأوروبي ودول أخرى رغبتهم بالمساعدة. وقدّم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو تعازيه لضحايا الانفجار وشدد على أن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم الدعم إلى لبنان لمواجهة تداعيات الانفجار. كما أعرب وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس عن عرض تل أبيب تقديم مساعدات إنسانية وطبية إلى لبنان عبر القنوات الدولية.

لكن، لماذا انفجر العنبر رقم 12 وليس غيره؟ المستودع الذي وقع فيه الانفجار خطير وموجود منذ 6 سنوات وجميع الأشقاء والجيران والأعداء والحلفاء يعرفون بوجوده من قريب ومن بعيد. لماذا العنبر رقم 12 إذًا؟ لا يزال البعض يقول إن إسرائيل ستدَمر خلال نصف ساعة فقط إذا ما هاجمت أميركا إيران. فيما ذهب البعض الآخر أبعد من ذلك وقال من 3 أعوام إن ايران جاهزة للرد بحزم على التهديدات الاسرائيلية، فجميع المراكز المهمة في تل أبيب قد جرى تحديدها وسيتم تدميرها بصواريخ بعيدة المدى في غضون 7 دقائق و 30 ثانية، في حال تعرضت إيران لأي اعتداء”… الكثير من الوعيد والتكابر لكن الضحية واحدة: الشعب، حتّى وإذا أعلن رئيس الجمهورية ميشال عون أن الحكومة ستفرج عن 100 مليار ليرة تمويلًا للطوارئ.

لمشاهدة فيديو الانفجار من زوايا مختلفة، اضغط/اضغطي على الرابط التالي:

https://youtu.be/RonYZdo1K5w

 

 

بأقل من دقيقة…

انظروا كيف تمّ تدمير بيروت بأقل من دقيقة! انظروا كيف خسر الشعب الفقير أحباءه وسقفه ومأواه ولقمته ورزقه! كل ذلك بأقلّ من دقيقة واحدة! سواد الليل والمجرات لا تكفي للحداد! ثلاثة أيام غير كافية للحداد على بيروت وأهلها وأبنائها. فليكن حدادًا أبديًا على لبنان طوال حكم هؤلاء اللامبالين المفترسين اللامسؤولين والمسؤولين عن خراب الوطن وموته وتشريد أبنائه.

بين مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها وفشل الحكومة في إدارة أزمات البلاد، تبقى بيروت هي هي، مدمّرة، مشوّهة، منكوبة، لكنها جميلة بكل ملامحها، جميلة بشعبها الحزين، جميلة بثورتها التي “تولد من رحم الأحزان”.