Opinion Piece

المشط انكسر والصّبغة فسدت

بقلم: Maryo Nakhoul |

إلى تصريف الأعمال. إنه مصير الحكومة التي سقطت وزيرة تلو وزير. كأوراق الخريف. تساقطت. لم تكن يومًا خضراء. ولدت صفراء وسقطت صفراء. لونها واحد منذ البداية. حتّى لونها لم يتغيّر كباقي الأوضاع في لبنان التي تفاقمت وازدادت سوءًا حين مسكت  هذه الحكومة زمام السلطة التنفيذية. لكنها لم تنفّذ شيئًا أيضًا. ولم تنجز ٩٧%. ولا حتّى ٠.٩٧% من البيان الوزاري. إنها حكومة عجزت عن تقديم خطة إصلاحية متكاملة. حكومة ترش الخميرة على الأزمات وتنتظرها تخمر وتكبر. حكومة الـ CO2  لوّثت الهواء. لوّثت المياه. لوّثت الأرض. لم تلم النفايات من الطرقات. لم تمسك الأمن. لم تمنع اسرائيل من خرق الأجواء اللبنانية. لم تفلح في فلاحة الأرض مع أن اصبع أمينها طالب بذلك. إنها حكومة ولدت صفراء ميتة. ولدت ميتة دوليًا ومكبّلة داخليًا. وقعت في أول نفق تحت مرفأ بيروت الذي انفجر فينا يوم الثلثاء وأودى بحياة المئات وجرح الآلاف وكسر قلوب الملايين.

 

حكومة المشط واللّون الواحد

حكومة دياب “الجديدة”- حتّى البارحة- تمّ الإعلان عنها الثلثاء 21 كانون الثاني 2020. هي التي لم تصل إلّا لمرحلة الدبدبة. لم تبلغ شهورها الثمانية لتبدأ خطواتها الأولى وتمشي. بقيت في مرحلة المحاولة والتعثّر. أو التعثر من دون أي محاولة. لكنها تحدّثت باكرًا. عادة يبدأ الطفل بالمشي قبل الكلام. بالفعل كانت حكومة استثنائية، لأنها لم تضع لا نقطة ولا فاصلة. تلاوة خطابات فضفاضة فارغة من نسج الخيال. إدلاء تصريحات مركبة بسيطة وسطحية بعمقها وعميقة وبسطحيتها. الكثير من الاستعراضات لكنها من دزن أي جمهور. إعلان بطولات (لول)؟ رقصات بهلوانية (بقوّة). المشي على حبال وهمية (خيوط).

التشكيلة ضمّت 19 وزيرةً ووزيرًا، وجاءت توزيعة “عادلة” بين أبناء اللون الواحد. وقالت صحيفة “واشنطن بوست”، في اليوم الذي تلا إعلان تشكيل الحكومة “إن لبنان شكل حكومة يسيطر عليها حزب الله، المدعوم من إيران، وحلفاؤه للمرة الأولى”، معتبرةً أن “سيطرة حزب الله على المشهد سياسيًا، ستكون له انعكاسات سلبية على الدعم الغربي للبنان، في وقت تشهد البلاد شبه انهيار اقتصادي”.

وشدّدت الصحيفة في 22 كانون الثاني 2020 على أن “خطورة نفوذ حزب الله المتصاعد، ترتبط طرديًا بعزل عدد من الأحزاب السياسية الرئيسية، على رأسها تيار المستقبل، أكثر تيار لبناني له علاقات تقليدية مع القوى الإقليمية والغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة. وبهذا، فإن الضغط يضاف إلى سياسة الضغط الدولي التي تبناها الغرب في أزمة لبنان، من أجل تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي ومحاربة الفساد، مقابل توفير الدعم للبلاد بشكل تدريجي”.

وكانت الحكومة الأميركية قد استبقت الإعلان المحتمل لتشكيلة الحكومة الجديدة بإعلان سلسلة مواقف، وكان مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية قد قال “إن أي حكومة تثبت ذاتها من خلال الأفعال”. وبدا من الموقف الأميركي أن واشنطن لا تتمسّك بشخصية محددة لرئاسة الحكومة اللبنانية، لكنها تريد أكثر من ذلك القول إنها تريد حكومة تلبّي مطالب اللبنانيين ومطالب المجتمع الدولي”.

لكن لم يكتب للحكومة عمر أطول لأنها كانت مؤقتة. أوجِدت لتمرير الوقت وملء الفراغ بعد استقالة حكومة سعد الحريري في 29 تشرين الأول تحت وطأة احتجاجات شعبية مستمرة منذ السابع عشر من ذلك الشهر 2019 تطالب بانتخابات نيابية مبكرة ورحيل ومحاسبة مكونات الطبقة الحاكمة المتهمة بالفساد والافتقار للكفاءة. حين انتهت صلاحية حكومة دياب التي قررها الأميركيون والأوروبيون، سقطت حكومة التكنوقراط التي تألفت بامتياز “من ذوي الكفاءات”. سقطت قبل أن تعمل على وضع قانون جديد للانتخابات.

حكومة اللّون الواحد محاصرة ودياب “يرفع العشرة”

بالفعل هي حكومة اللون الواحد. “هي حكومة كل لبنان” على حد قول رئيسها المستقيل. “مكونة من اختصاصيين ذوي كفاءات، وفيها تمثيل متوازن للمرأة، ونحن لدينا الإمكانات للاستمرار ولدينا ثرواتنا وسنحميها وندافع عن حقنا فيها بكل الوسائل. هذه الحكومة هي حكومة تعبر عن تطلعات المعتصمين على مساحة الوطن وستعمل لترجمة مطالبهم في استقلالية القضاء واسترجاع الأموال المنهوبة”. (حسّان دياب، 21 كانون الثاني 2020).

لا تندهوا. “ما في حدا”. الجميع نائم. القوي يشخر. كان من الواضح أن الحكومة لا تعمل بنفسها وكان هناك من يحركها ويعلن القرارات عنها. حتى الاستقالة التي جاءت أمس، خرج من يعلنها عنها. عند الخامسة والنصف من بعد ظهر الإثنين 10 آب 2020، أعلن وزير الصحة استقالة الحكومة. تبعته وزيرة العدل ماري كلود نجم أيضاً وقامت بالخطوة نفسها. لم يبقَ في السراي سوى حسان دياب يوضّب أغراضه الشخصية تحضيرًا للمغادرة. أُعلنت استقالة الحكومة قبل ساعتين من إعلانها من قبل رئيسها. ويبقى السؤال: كيف أمضت جويل بو يونس ليلتها أمس؟ هي التي لطالما هلّلت للحكومة وطبّلت وزمّرت لها؟ كيف تلقّت الخبر وما تأثيره عليها؟ الله يصبّرها!

 

الانتخابات المبكرة تطيح بالحكومة ودياب جسمه “لبّيس”

حوصِر دياب. لم يستمرّ. ولم يسمحوا باستمراره لأنه لم يحسن استخدام مشطه وارتكب خطأ فادحًا حين دعا لإجراء انتخابات نيابية مبكرة من دون تنسيق مع حزب الله، أو نبيه بري أو ميشال عون. فسقطت ورقة التين التي كانت تستر عراء الحكومة وسحب الغطاء عنها. وصارت من دون لون.

بالتالي، أصبحت الاستقالة مؤكدة حين أصدر الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع العميد محمود الأسمر بياناً أعلن فيه أن حسان دياب ومجلس الوزراء تبلغوا مضمون تقرير أمني حول وجود مادة نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، وبأنها مواد بالغة الخطورة وتهدد مدينة بيروت ولبنان برمّته. اتّجهت أصابع تحميل المسؤولية لدياب، شاكيةً من أنه لم يقم بما يجب القيام به. لكن دياب لا يتحمّل المسؤولية وحده. ولا حكومته وحدها. بل جميع الحكومات والنواب والرؤساء والمدراء الذين تعاقبوا منذ عام 2013 حتّى اليوم.

 

حكومة محاصصة جديدة برعاية الحزب

هل يعود الحريري؟

ما إن استقالت حكومة دياب حتّى تسارع البعض على عقد اجتماعات ثنائية وثلاثية. على ضوء ذلك اجتمع رئيس مجلس النواب نبيه برّي والنواب جبران باسيل وعلي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل، ويقال إنهم حسموا 3 أمور: لا حكومة حيادية، لا انتخابات مبكرة. الأولوة لحكومة وحدة وطنية. هل يعود الحريري إذًا؟ هل يستلم نواف سلام كما يُسمع في الأروقة؟ هل المصير هو الفراغ؟ كم سيستغرق وقت إجراء الاستشارات النيابية؟

 

عون منهمك بأمور كثيرة والمطلوب واحد: تحقيق شفاف لانفجار بيروت

هذا كله في وقت أكّدت وكالة رويترز أنّ رئيس الجمهورية القوية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المستقيلة حسّان دياب كانا على علم بوجود نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت وبأنّ المادّة هذه تشكّل خطرًا أمنيًا واسعًا.

وقد كشفت الوكالة بعض ما تضمّنته الرسالة التي رفعتها المديرية العامة لأمن الدولة إلى الرئيسين في 20 تمّوز الماضي. ووفقًا لمسؤول أمنيّ شارك في كتابة الرسالة، فإنّها تضمّنت تحذيرًا من خطريْن: سرقة المواد واستخدامها في هجوم إرهابيّ، أو انفجارها: “حذّرتهما أنّها قد تدمّر بيروت في حال انفجارها”. وخلصت الرسالة إلى “ضرورة تأمين المواد الكيميائية على الفور”، وفقًا لرويترز.

يذكر أنّ رئيس الجمهورية اعترف في وقت سابق لكن لاحق للانفجار بتلقّيه رسالة تتضمّن معلومات حول تخزين نيترات الأمونيوم في المرفأ، إلا أنّه لم يكشف عن مضمونها، مكتفياً بالقول: “أوعزنا فورًا الى الاتصال بالأمين العام لمجلس الدفاع الأعلى والتواصل مع المعنيين بالأمر لإجراء اللازم”. بالفعل أجروا اللّازم.

انفجرت بيروت.