الإسلام في فرنسا: وقائع وتحديّات

بقلم: omaralsawadi |

في الفترة الأخيرة انشغلت الصّحف والقنوات بمتابعة الأخبار في فرنسا، بدءاً من تصريحات ماكرون عن الأزمة التي يعيشها الإسلام كما قال مروراً بحادثة قتل المعلّم صامويل باتي في مدينة كونفلان سانت أونورين على يد لاجئ مراهق، نهايةً بدعوات مقاطعة المنتجات الفرنسيّة وحملات قامت بها أفراد ومجموعات في بلدان عربيّة وإسلاميّة. لكن السؤال الذّي علينا الانشغال به هو: لماذا الآن ومن المستفيد الأوّل من كلّ ما يحدث؟

 

وفقاً لمجلّة دير شبيغل الألمانيّة فإنّ الجاني عبد الله. أ من مواليد موسكو لعائلة شيشانية قدم إلى فرنسا أثناء طفولته مع عائلته التّي حصلت على حقّ اللجوء في فرنسا. في تقرير آخر لصحيفة “لو باريزيان”، ثبت أنّ المراهق كان على اتصال بجهاديّ يتحدث الروسيّة في محافظة إدلب بسوريا. في حسابه على تويتر عرّف عبد الله. أ نفسه كسلفي وكان مدافعاً في تغريداته عن الرئيس التركيّ رجب طّيب أردوغان وحركة طالبان في أفغانستان، مهاجماً وليّ العهد السعوديّ محمّد بن سلمان ورئيس الشّيشان رمضان قديروف. مجموعة أديولوجيّات متضادّة قادت عبد الله إلى التطرّف، لكن النصّيب الأكبر كان لتنظيم داعش المؤمن والدّاعم للعمليّات الإرهابيّة في الغرب.

 

لم يقف التطرّف عند هذا الحدّ، فبعد جريمة قتل المعلّم بعدّة أيّام، تعرّضت سيدتان مسلمتان من أصل جزائري لهجوم بسكين حادّة بالقرب من برج إيفل وصفت فيها الضحيتين ب “العرب القذرين” كما ذكر موقع يورو نيوز. حادثة فتحت مجدّداً ملفّ الاعتداءات بحقّ المسلمين في فرنسا ومقارنات لردود فعل السياسيين في فرنسا. على الجانب الاجتماعي يرى المراقب أزمة ثقة بين أطياف المجتمع في فرنسا وعدم رضا من الجميع عن عمل الحكومة.

 

فالمسيحيّون يطالبون بتشديد الإجراءات على الجمعيّات الإسلاميّة وملاحقة أي عمليّات اشتباه بالتطرّف، في حين يرى العديد من المسلمون أنّهم يتعرّضون لضغوط بسبب أفعال لم يقوموا بها وأدانوها في الأصل. أمّا الحكومة فتستمرّ بحملتها على ما تصفه بالتطرّف الإسلاميّ. فقد أعلن ماكرون حلّ جمعية إسلاميّة وإغلاق مسجد بالقرب من باريس كما ذكر موقع الجزيرة. عالميّاً تواجه فرنسا حملة استنكار ومقاطعة من جماهير في البلدان العربيّة والإسلاميّة في ظلّ توتر بين الاتحاد الأوروبيّ وتركيا بسبب تصريحات أردوغان عن الرئيس الفرنسي بأنّه بحاجة إلى اختبار عقليّ.

 

يبدو أنّ حادثة قتل المعلّم عادت في النّهاية بالنّفع على الأصوات الشعبويّة والمتطرّفة سواء في أوروبا أو العالم الإسلاميّ ولم تقد إلى لتوسيع الشرخ في المجتمع الفرنسيّ بين أقليّة المسلمين من أصول مهاجرة وأكثريّة المسيحيّين. في تويتر قامت رئيسة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي اليميني ماري لوبان بانتقاد تصريحات أردوغان ضد ماكرون، في حين تشككّ في الوقت ذاته بالسياسيين الذين جعلوا من فرنسا بلداً في حالة حصار أمني وثقافي واقتصادي ودبلوماسي كما قالت.

أمّا في العالم الإسلاميّ تجد الدّعاية المتطرّفة طريقها بين المظاهرات وحملات المقاطعة للمنتجات الفرنسيّة، يثني تنظيم الدّولة على نشاط خلاياه ويتوعّد بحرب طويلة كما ذكرت مجلة عنب بلدي.

ولمعرفة المتضرّر الأوّل ليس علينا سوى النظّر إلى العقلاء بين الطّرفين الذين أصبحت أصواتهم أقلّ سماعاً وآراءهم بلا مكان في حروب التّصريحات. والرابح هنا هو الشعبويّ والمتطّرف، طرفان ينتفعان من بعضها ويغذيّ كلّ منهما الآخر. تخسر الحضارة والتحضّر في كل حادثة إرهابيّة أو تصريح غير مسؤول، وتزيد على الجانب الآخر حظوظ مشككي الديمقراطية والعيش المدني. سواءً كان هجوم باريس مرتبطاً بتنظيم داعش أو فعل من متطّرف مراهق فالخاسر الوحيد هنا هو العيش المشترك بين أطياف الفرنسيين، ذلك العيش الّذي لم يعد يؤمن به الكثيرون.